ست العجم بنت النفيس البغدادية

82

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

يظن أنه عبارة عن العدم الحقيقي إذ هو محال ، وإنما عبارتهم عن الفناء والفناء بالنسبة إلى الفهوم العامية عدم ، فليس خصه القول بهذا من العارفين أكثر من اسمه . فقوله : ( العدم حق ) يعني الفناء وما ثمّ إلا فان وعبارته عن ثمّ ، لأن الظاهر في مقام الباطن غيب ، والشهود في مقام الباطن ، فصار الظاهر بالنسبة إليه يعبر عنه بثم لأجل غيبه ، فكأنه قال : ما في الظاهر في المقام « 1 » الباطن غيب والشهود في مقام الباطن فصار الظاهر فان . وقوله : ( والجود حق وليس غيره ) لأن وجود هذا العارف في هذا المقام حق من أجل يقين العارف بالتمييز ، وليس هنا وجود أظهر منه ، وهذا مراده ، ووجه آخر أن الوجود مستهلك في الهوية ، وهو الوجود العلمي ، ومحال عراء الذات عن العلم ، فمتى لم تزل الذات عالمة ، فالوجود في العلم موجود وتأييد كونه في العلم . قوله : ( ليس غيره ) أي لا يظن أحد أن الوجود خارج عن العلم ، لكنه فان في العلم كفناء العلم في ذات اللّه تعالى ، والدليل على التأييد المذكور عبارته عن الحاضر ليس غيره ، ولم يقل كما قال في العدم ، وما ثم غيره ، لأن مطلق الوجود متمثلا كالحال فيه في العلم ، والوجود بفنائه لا يتحول من محل العلم إلى محل آخر إذ لو كان هناك محل آخر عنه هناك ، لكان لحضور العلم دائما للعليم تعالى ، قال : ( وليس غيره ) إذ هي لفظة تدل على الحاضر في المحل اللائق . فقوله : ( العدم حق وما ثم غيره ) عبارة عن الفناء في الظاهر ، وورودها في عالم الباطن ، فلهذا قيل : ( ثم ) لأن الظاهر بيان الباطن ، والوجود حق وليس لغيره لحضور الشاهد بإدراكه المتفرد ، وحضوره وجود ، فقيل فيه : وليس غيره ، والعلة في الجمع بين الوجود والعدم بلفظ الحق موجبها كمال العارف الشاهد لهذا الشهود ، لأنه يشترط في كماله عالم وجاهل ، فالعدم يقين العالم والوجود يقين الجاهل ، وذلك لأن الجاهل الكامل في جهله يحكم بصره عليه برؤية الكثرة ، فهذا لا يتيقن فناء بحكم نظره ، والعالم لا يتيقن

--> ( 1 ) المقام : عبارة عن استيفاء حقوق المراسم الشرعية مما تعين عليه بأمر الشارع من المعاملات ، وضيوف العبادات على التمام والكمال ، بحيث لا يفوته شرط من شروطها ولا لازم من لوازمها . والمقامات على أقسام : منها : ما يثبت شروطها ، ويزول بزوالها ، كالورع مثلا ، فإنه في المحظورات والمتشابهات ، فحيث فقدت فقد الورع ، وكذلك التجريد ، وإنما يكون بقطع الأسباب مهما فقدت التجريد ، ومنها : ما يثبت إلى الموت ثم يزول ، كالتوبة ، والتكاليف الشرعية . ومنها : ما يثبت مع الداخل فيها إلى الأبد . كالأنس ، والبسط ، والظهور بصفات الجمال .